شاهد: أعمار تتفتت على جدران الطوب الأحمر!

ببساطته الفطرية، شرَح ذلك العامل، في مصانع الطوب الأحمر في مصر عيوب النظام الرأسمالي، حين قال: “كنا نأخذ اليومية على شغل يوم كامل، بغض النظر عن النتيجة، أما اليوم فإننا مطالبون بتحقيق هدف كمي، فإذا ما عملنا طيلة اليوم، ولم نحقق سوى نصف المطلوب، قبضنا نصف اليومية”.
العمال في مصانع الطوب الأحمر في مصر، يرث غالبيتهم المهنة عن أبيه وأجداده، فيعمل بها منذ طفولته اضطرارا، نظرا لاحتياج أهله للمال الذي يوفره، وعدم قدرتهم على الإنفاق عليه لاستكمال تعليمه النظامي.
الأزمة التي تمثل حلقة مفرغة من العمل الشاق، بأجر زهيد، من دون تأمين أو ضمانات صحية أو اجتماعية، ما ينجم عنه التقاعد الصحي المبكر للعامل الأب، ليخلفه الابن في عمر الزهور، مستأنفا مسيرة أبيه الشاقة العبثية، ومورثا الهم للأحفاد، بلا أفق قريب للحل، أو حتى لتحسين شروط حلقة المعاناة المستمرة.
“مهنتنا يومية، تعتمد على الرجل الصحيح، انت تعمل طالما أنك (شديد)، فإذا تأثرت صحتك فاضطرك التعب إلى الرقاد، فليس لك مصدر للرزق، وليس لك تأمين!” هكذا يصف عامل آخر يعمل بمصانع الطوب الأحمر منذ 26 عاما، هي غالبية عمره، معددا أهم مخاطر المهنة من الاضطرار للانحناء وحمل الأثقال طيلة اليوم، ما يؤذي الفقرات القطنية بالأخص، ومن السفر لمسافات طويلة في سيارات محملة بعشرات العمال، تفتقر لأدنى ضمانات الأمان، وتتعرض للحوادث القاتلة.
المهنة التي لا تسلم من غبارها العيون، وتكثر فيها الحوادث المؤدية للعاهات المستديمة، غير إصابات غضاريف الظهر بسبب حمل الأثقال، والاضطرار للانحناء، في غياب كامل للرعاية الصحية او التأهيل، تضطر كثيرا من عمالها للتقاعد المبكر عند الأربعين أو دونها، ويشكو ضحاياها إهمال الدولة التي لا تتدخل لضمان حقوقهم، فتترك التأمين لأصحاب المصانع، الذين يؤمنون على العمال تأمينا صوريا بالجملة، ويندر أن يجد أحدهم نفسه مغطى بتأمين شخصي موجه لاسمه، ما يضيع حقه في العلاج والرعاية حين يحتاج إليه.
“ما الذي يدفعني للعمل إذا لم أكن مضطرا، ولا مصدر آخر لي لكسب العيش؟” هكذا يتساءل عامل تقترب سنه من الستين، وقد تأذت عيناه، وضاع في الطوب عمره!